مقالات

ناصر بابكر.. اختار طريقك! “2_2”

خارطة الطريق

ناصر بابكر

اختار طريقك! “2_2”

 

•تطرقت أمس لمسارين تمضي بينهما جل أندية القارة، لإيجاد موطئ قدم في المنافسة مع أندية مؤسسة بحق وحقيقة، وهما مسار “المال عبر إنفاق لا محدود” ومسار “التأسيس وبناء الاستمرارية”. وطرحت تساؤلات حول الطريق الذي تفضله لناديك، والذي تعتقد كذلك أنه الأنسب ويلائم واقع وبيئة النادي، مع سؤال حول درجة الاستعداد لتقبل تبعات كل طريق.

•رؤيتي الشخصية أن المشكلة لدينا في السودان معقدة أكثر، فطريق المال محفوف بمخاطر لا حصر لها، في دولة تعاني هي نفسها اقتصادياً، وأندية لا تملك موارد، أو تملك موارد دون أن يتم استثمارها وتفعيلها، واعتماد شبه مطلق على جيوب أفراد. ومع غياب المساءلة والمحاسبة، وغياب الحوكمة في الإدارة، فإن طريق المال ينطوي على مقدار كبير من المخاطر، ولا يناسب في تقديري واقعنا.

•المشكلة أن السوء الإداري، وغياب التخطيط، والنظرة بعيدة المدى من قبل الإدارات، وقبلها الدولة نفسها بحكوماتها المتعاقبة، تجعلنا بعيدين جداً حتى عن المسار الثاني الذي أشرنا إليه، لأن جل أندية دول غرب وشرق ووسط وجنوب القارة مضت فيه منذ سنوات، وبالتالي تتطور بنسب وسرعات متفاوتة، لكن جلها تمضي للأمام كل عام. لذا تظهر سنوياً أندية تكسر حاجز تصنيف الكاف القائم على السنوات الخمس، وتعبر على حساب أندية مصنفة أعلى منها.

•في المسار الثاني، يعد السودان ربما الدولة الوحيدة، أو ربما يكون معه دولة أو اثنتان، التي لم تظهر الحد الأدنى من الاهتمام بصناعة كرة القدم، ولم تطبق شعار “نلعب مما نصنع”، سواء بإنشاء أكاديميات لتعليم الصغار، أو الاهتمام بمنافسات للفئات السنية، سواء من الأعمار الصغرى أو حتى الكبيرة مثل الناشئين و الشباب. كما أننا لم ننجز العمل المطلوب على صعيد البنية التحتية الرياضية.

•خلال سنوات ما قبل الحرب، كان اعتماد القمة تحديداً على استمرارية اللاعب الوطني لسنوات طويلة، حيث يتحسن مستواه بتراكم التجارب وكثرة المشاركات واللعب لعدة سنوات. وتبدأ علامات التحسن بالظهور على جل اللاعبين عند الاقتراب من الـ”30″، باستثناء نماذج ليست كثيرة برزت وقدمت الإضافة السريعة من سن صغيرة. ووقتها كان عدد الأجانب لا يتجاوز ثلاثة أو خمسة، وكنا نحقق نجاحات متقطعة، خاصة بالمريخ الذي ظل يفتقد لمسألة استمرارية النجاح القاري بسبب افتقاد خصلة الصبر على المدربين واللاعبين. وبالتالي استفاد الهلال أكثر من فترتين: الأولى فترة ريكاردو مع صلاح إدريس التي استمرت لقرابة ثلاث سنوات، وأكملت عملاً بدأ قبلها مع مصطفى يونس. وبالتالي توفرت استمرارية طويلة بذات الإدارة والجهاز الفني واللاعبين، وتكرر الأمر مع فلوران. والقاسم المشترك في التجربتين هو معاندة القرار الإداري للرأي العام، الذي طالب مئات المرات بإطاحة ريكاردو في حقبة صلاح إدريس، وإقالة فلوران في فترة السوباط.

•المسار أعلاه “الصبر على اللاعبين الوطنيين لسنوات حتى يتحسنوا وامتلاك عظم وطني مع أجانب مميزين يملكون خبرات كبيرة” حقق بعض النجاحات في التقدم في البطولات الأفريقية. والظفر بلقب في ظل مشاكل التخطيط والبنية التحتية وسوء الإدارة، بلا شك مستحيل في ظل العمل الذي يتم في بقية الدول.

•بعد الحرب، اختلف الوضع وانهار اللاعب الوطني تماماً خصوصاً بدنياً. وتأثر المريخ وتضرر بشكل أكبر، لأنه تخلص من كشف لاعبين كامل يضم ثلاثة أجيال، بينها الخبرة ممن تمرسوا ولعبوا عدداً كبيراً من المباريات، ومعهم الجيل الذي كان بدأ يتدرج ويظهر. وحتى آخر البدلاء ممن كانوا يتواجدون في الكشف وينتظرون الفرصة تم التخلص منهم. وتعقدت المشكلة أكثر وكلفت بشكل أكبر لأن تلك العملية تمت في وقت أساساً لم يكن به نشاط لبقية الأندية. وبالتالي تم قيد اللاعبين وفقاً لذاكرة مستوياتهم قبل الحرب، مع إغفال أهمية الجانب البدني، وإغفال أهمية “ذاكرة الفريق” التي مسحها بالكامل بصورة أنتجت وضعاً مشوهاً وتوهاناً كبيراً. وكانت النتيجة أن شارة قيادة المريخ من 2024 وحتى اليوم ارتداها الكثير من اللاعبين الذين لم يمض على انضمامهم للنادي سوى أشهر معدودة.

•الوضع انقلب في القمة بعدها، حيث حدث تصاعد رهيب في عدد الأجانب الذي وصل من خمسة لاعبين إلى عدد مفتوح حالياً. والواضح في المريخ أن الرؤية الإدارية تقوم على التركيز على قيد أكبر عدد من الأجانب، لكن بمبالغ بعضها يقل عن مبالغ الوطنيين، مع البحث المستمر عن لاعبين مطلقي السراح لتقليل التكاليف. مع ملاحظة صغر سن عدد كبير من اللاعبين، وعدم الاهتمام بمسألة الخبرة والتمرس والتجربة في دوري أبطال أفريقيا، رغم أن المريخ افتقد عناصر التمرس من الوطنيين، ومن ما زالوا موجودين، نشاطهم معطل من الموسم الماضي بفعل الإصابات.

•فكرة إدارة الموارد في حد ذاتها جيدة، كونها تقلل المخاطر من الناحية المالية، والتنقيب عن مواهب أصحاب قدرات جيدة بمبالغ زهيدة عمل جيد يستحق التحية. لكن ما هو غير واضح: لماذا التركيز على الكمية الكبيرة لدرجة الوصول لـ “18 لاعباً” والبحث جارٍ عن المزيد؟ ولماذا لا يتم الاكتفاء بعشرة لاعبين أجانب، كمثال، بينهم سبعة من الفئة الأولى “مواهب صغيرة بتكاليف زهيدة” وثلاثة عناصر خبرة وتمرس في الدفاع والوسط والهجوم على غرار سعد عطية أو أبالو وأيمن سعيد وكلتشي؟ وذلك على سبيل المثال، لأن وجود عناصر تتحمل الضغوط والمسؤولية، وتقلل من حجم الضغط النفسي والذهني على العناصر الصغيرة التي تفتقد للتجربة، أمر ضروري وبالذات في حالة المريخ الراهنة.

•الواضح من تحليل مسار عمل لجنة التسيير أن التخطيط يقوم على “طريق بناء الاستمرارية والصبر والعمل على المدى الطويل”، وهو طريق جيد ومناسب لواقع المريخ، وبالأمس اختار أغلب المعلقين على المقال هذا الطريق واعتبروه الأنسب، لكنه يحتاج أولاً لإعلانه بشكل واضح باعتبارها استراتيجية الإدارة “إن كانت فعلاً تفكر بهذه الطريقة”، كما يحتاج لمعرفة مخاطره، وعلى رأسها قلة صبر وتفهم الرأي العام، الذي يبحث على الدوام عن نجاحات آنية، مع ضرورة تكملة المسار بمشروع واضح وجاد للرديف لإعادة صياغة اللاعب الوطني وتأهيله ليكون جاهزاً بعد عام أو إثنين لدعم الفريق الأول تمهيداً لتقليل تدريجي لعدد الأجانب.

•أخطر المشاكل التي تظهر من تحليل البيئة والتجارب والتاريخ أننا نعاني من أزمة مفاهيم معقدة ومدمرة، تبدأ من أهم مبدأ متعلق بالرياضة نفسها وكرة القدم، وهو بالبلدي “الكورة غالب ومغلوب”. حيث نتعامل مع كرة القدم وكأن لها وجهاً واحداً وهو الفوز فقط، وكأننا لا ينبغي أن نخسر. وهو تعامل يعكس داخله أزمة عدم احترام المنافسين، وعدم احترام لجوهر الرياضة. وتعامل نسبة العاطفة فيه تتجاوز 95%، ومع التأمين على أن كرة القدم لعبة عاطفية، لكن في التقييم والتعاطي مع التفاصيل ينبغي أن تكون نسبة العقل فيه هي الأرجح.

•لذا، فإن الموازنة في مثل الظروف الصعبة للكرة السودانية، وللدولة نفسها، تبقى مطلوبة بين العمل على بناء استمرارية لسنوات، وصولاً للتماسك والنضج واكتساب الخبرات تدريجياً، وبين ضخ بعض العناصر التي يمكن أن تحدث فارقاً سريعاً، على أمل توفير ما يساعد على الصبر. لكن مع التأمين على أن النتائج تبقى مفتوحة، طالما أن الكل من حولنا يعمل ويخطط ويبني ويتقدم، ويتفوقون جميعاً علينا بالعمل القاعدي من ناحية، وبالصبر والتفهم من أخرى. لأنهم يدركون أنهم لا يلعبون وحدهم، ويدركون أن هناك من يقوم بالعمل الإداري والفني بشكل أفضل منهم، ولا يفترضون أنهم زعماء القارة وملوكها. وبالتالي يجمعون بين العمل الجاد، والتواضع الذي يساعد على الصبر لحين الوصول، في وقت نغرق فيه نحن في محاولة القفز بالزانة وحرق المراحل، والدخول في صراع مع منطق اللعبة ومنطق الأشياء، ومنطق الحياة نفسها، حيث يكون النجاح حليف كل مجتهد وكل من يستخدم العقل الذي ميزنا به رب العالمين.

•اختار طريقك وتحمل التبعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى