مقالات

ناصر بابكر.. نهائي الجودة والاستدامة

خارطة الطريق

ناصر بابكر

نهائي الجودة والاستدامة

 

•لن تكون المباراة النهائية لنسخة 2026 من كأس العالم مباراة عادية، لأن بلوغ التانغو ولاروخا هذه المرحلة يمثل النهائي الحلم الذي يجسد “الاستدامة” في تحقيق النجاح.

•مباراة اليوم التي تتحدث “اللغة الإسبانية”، تعتبر النهائي الثامن للمنتخب الأرجنتيني على صعيد البطولات الكبرى فقط (كوبا أميركا وكأس العالم) خلال العقدين الأخيرين، اللذين بلغ خلالهما رفاق ميسي نهائي الكوبا خمس مرات، فيما يخوضون اليوم النهائي الثالث في المونديال بعد عامي 2014 و2022، بحثًا عن الاحتفاظ باللقب العالمي، والفوز برابع الألقاب الكبرى في خمس سنوات بعد الظفر بكوبا أميركا (2021 و2024) ومونديال قطر (2022).

•المنتخب الإسباني بدوره، والذي لم يخسر في 37 مباراة متتالية، يخوض النهائي السابع في العقدين الأخيرين، والثاني على صعيد كأس العالم، بحثًا عن اللقب السادس بعد الفوز بكأس العالم (2010) في جنوب أفريقيا، واليورو في (2008، 2012 و2024)، بجانب لقب دوري الأمم الأوروبية (2023)، مع التنويه إلى أن الإسبان خسروا نهائي الأمم الأوروبية 2021، وبالتالي يخوضون اليوم النهائي الرابع لهم على صعيد البطولات الكبرى في آخر خمس سنوات.

•تلك الأرقام تعكس استدامة النجاح من ناحية، وهي مسيرة بلا شك خلفها عمل كبير ومنظم، لكنها من ناحية أخرى تقدم مؤشرات مختلفة.. إذ إن المنتخب الأرجنتيني تعلم من صدمات خسارة نهائيات كوبا أميركا أعوام (2007 و2015 و2016)، وخسارة نهائي مونديال (2014) أمام ألمانيا، إذ لم تكسره تلك الصدمات، بل زادته قوة وصلابة ذهنية وثباتًا انفعاليًا، وهو ما يعكس عقلية مميزة وقدرة على تحويل الإخفاق المؤقت إلى مدخل للنجاح.. بينما على الصعيد المقابل، يتمتع المنتخب الإسباني بقدرة مميزة على التفوق في النهائيات بعد أن كسب خمسًا من آخر ست مباريات نهائية خاضها بين اليورو ودوري الأمم الأوروبية والمونديال.

•تلك الأرقام ليست اعتباطًا، ويمكن قراءة دلالاتها في مشوار المنتخبين في المونديال الحالي، إذ إن الطرق يزيد الأرجنتين لمعانًا، وكلما تأخر في النتيجة في جولة، ازداد قوة وشراسة وعاد من بعيد لقلب الطاولة، وهي شخصية فريق بنتها الصدمات، وما عادت تكسره بل تقويه.. فيما يتحلى لاروخا بصبر مثير للإعجاب وثقة وهدوء صنعتهما الألقاب وزخم الانتصارات المتتالية، دون إغفال الطبيعة الإنسانية حيث التواضع والعمل الجاد المستمر بعيدًا عن الغرور.

•”إسبانيا” تمثل القاسم المشترك في المباراة النهائية، والحديث هنا ليس فقط على صعيد اللغة، إذ إن أسطورة التانغو وكرة القدم ليونيل ميسي صُنع في كاتالونيا، ومدربهم سكالوني حصل على رخصة التدريب (UEFA PRO) من أكاديمية الاتحاد الإسباني، وكان دي لا فوينتي أحد أساتذته وقتها، كما بدأ عمله مساعدًا للمدرب في إشبيلية، قبل أن ينتقل إلى المنتخبات الأرجنتينية ويبدأ من منتخب الشباب، ثم يتولى قيادة المنتخب الأول بعد نهاية مونديال 2018، دون إغفال قائمة اللاعبين الأرجنتينيين الذين ينشطون في الدوري الإسباني، وتحديدًا أتلتيكو مدريد.

•لذا، يلاحظ أن جودة المنتخبين وأسلوب اللعب متقاربان إلى حد كبير، مع معدل دقة تمرير رهيب يصل إلى (90.5) للأرجنتين، و(89.8) لإسبانيا التي تتفوق بمعدل استحواذ أعلى، مع أفضلية للتانغو على صعيد الفاعلية الهجومية، في وقت سجل فيه الإسبان رقمًا ملفتًا على صعيد الصلابة الدفاعية باستقبال هدف وحيد.

•في تقديري الشخصي، فإن نهائي اليوم يجمع بين أفضل منتخبين في المونديال من ناحية الـ(IQ) أو معدل الذكاء، وهما منتخبان يجيدان استخدام العقل وتسيير المباريات بذكاء.. إذ إن المنتخب الإسباني أحد أكثر المنتخبات تميزًا في خلق المساحات بسلاسة ودهاء، بينما يعتبر المنتخب الأرجنتيني أحد أخطر المنتخبات في استثمار الكرات العرضية من مواقف ثابتة ومتحركة، رغم كونه من المنتخبات صاحبة أقل معدل أطوال في البطولة، وهو ما يبرهن أن أهمية العقل تفوق أهمية العضل في كرة القدم.

•لو أردنا الحديث عن فلسفتين مختلفتين نسبيًا رغم تشابه العديد من التفاصيل، يمكننا القول إن النهائي بين الفلسفة الإسبانية التي تؤمن بفن الاستحواذ، وأن الكرة تحل كل شيء هجومًا ودفاعًا، وبين الإيمان الأرجنتيني بأن الروح تحل ما تعجز عنه الكرة.. فلاروخا يملك القدرة على تدوير الكرة حتى تأتي الثغرة، والتانغو لا يعترف بالهزيمة ما دام الحكم لم يطلق صافرة النهاية، دون إغفال التضحية من أجل الرمز والأسطورة، إذ يقاتل الأرجنتينيون لينتصروا لبلادهم، ويملكون روحًا أخرى تدعى ميسي، يفعلون المستحيل من أجل أن يحصل على ما يستحق من ألقاب، وكما ضحى من أجلهم سنوات وسنوات، وتحمل من الأذى أصنافًا، تشعر أن الجميع في التانغو يقاتلون من أجل أن يردوا له الدين ويضعوه في المكانة التي تليق بما قدمه لكرة القدم.

•لو أن النهائي سينتصر لفكرة أن من يدافع بشكل أفضل ويستقبل أهدافًا أقل يكون أقرب إلى الألقاب، فذلك يعني أن المونديال إسباني.. أما إذا كانت الروح والإرادة والقتال من أجل الحلم مع الفاعلية الهجومية، فإن الأرجنتين ستكون المرشح.. وما بين هذه وتلك، فإن عشاق المستديرة حول العالم على موعد مع المتعة في النهائي العالمي، وأيًا كان الفائز، فإن النصر اليوم للجودة والاستدامة.

الرد كاسل

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى