ماذا بعد الخروج الحزين.. ثورة تصحيح أم استمرار للأخطاء ؟

الماتش سبورت
تقبّلنا الخروج الحزين للمريخ من البطولة الأفريقية عند محطة الدور التمهيدي الثاني، لكننا لن نقبل برحيل مجلس إدارة النادي، الذي يستحق أعضاؤه أن تُرفع لهم القبعات تقديراً لما بذلوه من جهود، وما قدموه من عمل في سبيل ظهور الفريق بالصورة التي تليق باسمه وتاريخه. فقد اجتهد المجلس، ولم يبخل بما يستطيع تقديمه من أجل تحقيق النجاح الأفريقي، غير أن بعض الأخطاء المؤثرة أجهضت تلك الجهود، وبدّدت أحلام الجماهير في مواصلة المشوار القاري.
لقد كان الخروج مؤلماً ومفاجئاً، خاصة أن المريخ يمتلك من الإمكانات والخبرة ما يجعله قادراً على تجاوز منافسه. لكن كرة القدم لا تعترف بالأسماء وحدها، ولا تحسمها الإمكانات النظرية، بل تحتاج إلى تخطيط سليم، واختيارات موفقة، واستعداد متكامل داخل الملعب وخارجه. وقد نجح حوريا كوناكري في انتزاع بطاقة التأهل إلى دور المجموعات على حساب المريخ، مستفيداً من أخطاء كان بالإمكان تفاديها، وفي مقدمتها التأخر في حسم ملف التعاقد مع صانع ألعاب متمكن ومهاجم هداف من الطراز الرفيع، وهي خطوة كان ينبغي أن تحظى بالأولوية قبل خوض الاستحقاق الأفريقي. لقد كان هذا التأخير بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير!
أكتب هذه الكلمات وفي الحلق غصّة، تعبيراً عن مرارة الخروج الذي أصابني بالصدمة، كما أصاب جماهير المريخ التي كانت تتطلع إلى رؤية فريقها بين كبار القارة. لكن، ورغم قسوة اللحظة، فإن هذا الخروج ليس نهاية المطاف، ولا ينبغي أن يتحول إلى محطة لليأس والإحباط. فبعد أن هدأت العاطفة قليلاً، أدركت أن هذه الخسارة، على مرارتها، قد تحمل في طياتها خيراً كثيراً إذا أحسن المريخ قراءة دروسها، واستفاد من الأخطاء التي كشفتها إدارياً وفنياً.
إن المرحلة المقبلة تتطلب وقفة جادة وشجاعة، بعيداً عن المجاملات والوساطات، لوضع النقاط على الحروف، ومراجعة كل الملفات التي أسهمت في هذا الإخفاق. فلا بد أن تكون ثورة التصحيح الإدارية والفنية عنوان المرحلة القادمة، حتى يستعيد المريخ هيبته القارية، ويعود أكثر قوة واستعداداً لخوض البطولة الأفريقية المقبلة.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أجزم بموقف المريخ من إمكانية المشاركة في بطولة كأس الكونفدرالية الأفريقية بعد خروجه من الدور التمهيدي الثاني، إذ يتوقف ذلك على اللوائح المعمول بها لدى الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» للموسم المعني. لكن، سواء أُتيحت للفريق فرصة مواصلة مشواره القاري عبر الكونفدرالية أم لم تُتح، فإن المطلوب الآن واضح، ويتمثل في الآتي:
أولاً: مراجعة الجهاز الفني
أرى أن خروج المريخ بهذه الصورة يستوجب مراجعة شاملة لأداء الجهاز الفني بقيادة المدرب الصربي داركو نوفيتش، وتقييم تجربته بموضوعية ومسؤولية، وصولاً إلى القرار الذي يخدم مصلحة النادي. فالمريخ يحتاج إلى جهاز فني قادر على قراءة المباريات الكبيرة، وإدارة المواجهات الحاسمة، والتعامل مع الضغوط، وتوظيف قدرات اللاعبين بالشكل الأمثل.
ثانياً: التعاقد مع مدرب صاحب خبرة قارية
إذا اتجهت الإدارة إلى تغيير الجهاز الفني، فإن المطلوب ليس مجرد التعاقد مع مدرب أجنبي، وإنما اختيار اسم يمتلك سيرة ذاتية قوية وتجربة حقيقية مع الأندية والبطولات الأفريقية، وقادراً على بناء فريق تنافسي وفق مشروع واضح. وفي هذا الإطار، تبرز أسماء سبق لها العمل في الكرة الأفريقية، مثل جووموتا ولي كلارك، ضمن خيارات تستحق الدراسة والتقييم، مع ضرورة التأكد من ملاءمة قدراتهما الفنية لطموحات المريخ وإمكاناته.
ثالثاً: حسم ملف المحترفين والتدعيمات
يجب ترك ملف تحديد اللاعبين الذين سيستمرون أو يغادرون الفريق للجهاز الفني الجديد، بالتنسيق مع الإدارة واللجنة الفنية، بعيداً عن القرارات المتسرعة. وفي الوقت نفسه، ينبغي التحرك فوراً لحسم التعاقد مع مهاجم هداف من العيار الثقيل، وصانع ألعاب متمكن يجيد الربط بين خطي الوسط والهجوم، ويملك القدرة على صناعة الفرص وترجمتها إلى أهداف. فالمريخ لا يحتاج إلى مجرد زيادة عددية في قائمته، بل إلى عناصر نوعية تصنع الفارق في المباريات الكبرى.
رابعاً: الالتفاف حول الفريق والمجلس
على جماهير المريخ أن تلتف حول فريقها ومجلس إدارة النادي في هذه المرحلة الصعبة، وأن تمنح جهود الإصلاح فرصة حقيقية، مع الاحتفاظ بحقها في النقد والمساءلة والمطالبة بالتصحيح. فالمطلوب ليس الدفاع عن الأخطاء أو تجاهل أوجه القصور، وإنما مساندة كل خطوة جادة نحو إعادة بناء الفريق، وتصحيح المسار، واستعادة مكانته التي تليق بتاريخه وجماهيره.
كلمة أخيرة
الخروج من البطولة الأفريقية مؤلم، ولا يمكن التقليل من حجم الصدمة التي خلّفها في نفوس الصفوة، لكنه يجب ألا يكون سبباً في هدم كل ما تحقق، أو المطالبة برحيل مجلس الإدارة دون تقييم منصف لما قدمه وما أخفق فيه. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بالجهود، كما تقتضي المسؤولية تسمية الأخطاء والعمل على معالجتها.
المريخ اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يحوّل الخروج الحزين إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل، وإما أن يسمح للأخطاء ذاتها بأن تتكرر فيستمر نزيف الفرص والبطولات. والرهان الحقيقي ليس في تبادل الاتهامات، بل في اتخاذ قرارات شجاعة، وتخطيط سليم، واختيارات فنية موفقة، وعمل إداري متكامل.
فهل تكون مرارة الخروج بداية لثورة تصحيح حقيقية، يعود بعدها المريخ أكثر قوة، أم تضيع الدروس كما ضاعت فرصة العبور؟!
عمر المختار – «المواهب»




