مقالات

ناصر بابكر.. أهداف المريخ

خارطة الطريق

ناصر بابكر

أهداف المريخ

 

•تعتبر البرازيل سيدة كرة القدم في العالم على صعيد المنتخبات، فيما يتعلق بـ(التاريخ)، كونها تتصدر قائمة الأكثر تتويجاً بكأس العالم، تليها ألمانيا وإيطاليا.. التاريخ المبهر لتلك الدول لم يشفع للسيليساو لتحقيق شيء يذكر في كل النسخ الأخيرة من المونديال، وهو ذات ما ينطبق على الماكينات الألمانية، والآزوري الذي ظل يفشل في مجرد التأهل لكأس العالم، وظلت منتخبات في عرفنا (صغيرة أو بلا تاريخ) تتأهل على حسابه.

•السنوات الأخيرة شهدت سيطرة باريس سانت جيرمان على الكرة الأوروبية سيطرة مستحقة، وفي أفريقيا توج بيراميدز حديث النشأة والتأسيس بلقب الأبطال في النسخة قبل الأخيرة، وحتى على صعيد إقليمي ضيق مثل سيكافا، توج نادٍ حديث التأسيس مثل سينغيدا بلقب النسخة قبل الأخيرة، فيما عاد رايون بعد سنوات طويلة جداً لمعانقة اللقب الإقليمي.

•الفكرة ببساطة أن التاريخ لا يصلح كمرجعية في الكرة الحديثة، صحيح أنه يبقى مدعاة للفخر، ومدعاة لمحاولة النهوض من الكبوات، عبر استدعاء روح البطل، لكن تقييم الحاضر وتحليله يكون وفقاً لحسابات الواقع الآني، أو العمل على صعيد التاريخ القريب، كما يفعل “الكاف” في آلية التصنيف استناداً لنتائج آخر خمس سنوات، وهي تمثل حصاد العمل الإداري والفني في الأندية خلال هذه الفترة، أو كما ذكر المحلل المميز مجاهد يس بالأمس حول ضرورة التفريق بين “التاريخ والحقبة”.

•كمريخاب، من الطبيعي أن نفخر بما حققه المريخ خلال تاريخه الطويل، وهو ما فشلت فيه أندية السودان مجتمعة، سواء قارياً أو إقليمياً، لكن فخرنا بتاريخ هذا النادي العظيم، لا ينبغي أن يدفعنا للهروب من الواقع، بل من الضرورة بمكان مواجهته، لأن المريخ تراجع بفعل الصراعات الإدارية وعدم الاستقرار الإداري والفني، حتى وصل لأدنى مراتب التصنيف القاري، وفي موسم 2024_2025 وصل لمرحلة أن يكون أحد الأندية العادية في الدوري الموريتاني.

•مواجهة الواقع تساعد على ضبط سقف التوقعات في رحلة العودة التدريجية، وهو سلم ينبغي العمل على اعتلائه درجة درجة، وهو أمر لا يمنع الطموح، لأن كرة القدم لا تنحاز دوماً لحسابات الورق والمنطق، وتترك هامشاً للمفاجآت، وبالتالي فإن المطلوب هو العمل والعمل فقط من أجل التطور والتقدم، لكن مع إدراك أن اللعبة تبقى مفتوحة لكل الاحتمالات، ومع ضرورة احترام كل المنافسين صغيرهم قبل كبيرهم، لأن اللعبة تتطور بشكل جماعي في جل دول العالم، وبالتالي تبقى الفوارق ليست كبيرة، والأمر من حولنا ليس كما يحدث عندنا في السودان، حيث الفارق مثل الثرى والثريا بين القمة والبقية، ويكفي فقط الوقوف عند كم النقاط التي فقدها الهلال والمريخ والجيش ورايون في الدوري الرواندي.

•شخصياً، لا تعجبني السخرية من أي فريق في الدول من حولنا، لأن تلك الدول وأنديتها تعمل وتنمو مهما اختلفت السرعات، وفي تقديري نحتاج لمراجعة مفاهيمنا وتقييمنا لكل صغيرة وكبيرة متعلقة بكرة القدم.

•كمثال، الكثيرون يسخرون من مواجهة غوريلا اليوم، لأن المريخ كسبه بخماسية في أول تجربة ودية، مع أن نتائج الوديات ليست معياراً، وغوريلا نفسه كان الوحيد الذي انتصر على المريخ في الدورتين الموسم الماضي، وانتصر عليه ودياً قبل سنوات، كما أن الفريق الرواندي في تحضيراته الحالية، لم يتوقف كثيراً عند خسارة المريخ، بل بنى عليها، وانتصر بعدها على البوليس بثنائية نظيفة وعلى أي إس كيجالي بالنتيجة ذاتها، كما فاز على ماثاري الكيني بهدف نظيف، وخسر بالبدلاء أمام الأهلي مدني، وتقلب النتائج أمر طبيعي في الوديات، والأمر ينطبق على باور ديناموز الذي كسب ريد آروز أمس الأول ثم خسر أمس أمام زيسكو ويلعب اليوم أمام سيمبا الكونغولي، وكل الأندية تبحث عن فوائد المباريات التحضيريّة أكثر من نتائجها.

•عندما تم إجراء قرعة النسخة الحالية، أشرت لأن مسألة تبتسم وتكشر لا قيمة لها، ولا التفاؤل والتشاؤم، لأن جل العالم بات يؤمن بالعمل والعمل فقط، مع الإيمان بالعلم والعقل، والنسخة المقبلة من دوري الأبطال تشهد مشاركة (61 نادياً) سيتأهل منهم (16 نادياً) لمرحلة المجموعات، بينما سيودع (45 نادياً) البطولة من الدورين التمهيديين الأول والثاني، وبالتالي ليس من العقل ولا المنطق ولا الحكمة أن يربط نادٍ موسمه بالأبطال فقط، وهو يلعب في ثلاث بطولات مختلفة منها الأفريقية بجانب الدوريين السوداني والرواندي.

•صحيح أن المريخ في موسم 2025_2026 تحسن بشكل كبير جداً إدارياً وفنياً عما كان عليه ووصل إليه من تدهور وانهيار قبلها، لكنه قطعاً لن يتحول في عام أو عامين إلى أحد أفضل أندية القارة، ولو كان سقف التوقعات مرتبطاً بالتغيير الذي حدث في 16 أغسطس 2025 حينما تم إعلان لجنة التسيير، فذلك يعني أننا نتحدث عن نادٍ عمر فريقه الحالي عام واحد، يدخل في منافسة مع أندية تبني نفسها إدارياً وفنياً منذ سنوات، تنتمي لدول تهتم بصناعة كرة القدم وبالعمل القاعدي منذ عقود، وبالتالي فإن المطلوب أن نقاتل ونجتهد ونتمسك بحظوظنا ونفعل المستحيل من أجل التأهل طالما أننا نملك الفرصة حتى لو لم نكن الطرف المرشح، والمطلوب مع ذلك أن نتحسب لكل الاحتمالات، ونتحلى بالواقعية والمنطق حينما يتعلق الأمر بتحديد الأهداف، حيث لا مكان هنا للعاطفة، فالطبيعي أن كل محب يتمنى تأهل فريقه، لكن العمل التراكمي هو الفيصل، ما لم يكن حجم الإصرار والإرادة كافياً لقلب الطاولة على المعطيات الآنية.

•المريخ مطالب في كل الأحوال بأن يقاتل على حظوظه في دوري الأبطال، لكنه قبلها يبقى مطالباً بعدم تجاهل أهمية تثبيت أركانه وفرض سطوته في الدوريات التي يشارك فيها، والعمل بجد على الاحتفاظ بلقب الدوري السوداني من ناحية، والفوز باللقب الشرفي في رواندا، لأن الألقاب تبني الثقة وتساعد على استعادة الشخصية تدريجياً، وكلما زادت الألقاب المحلية، كلما ازداد الزخم وتطور الفريق ذهنياً ونفسياً، وازداد تماسك مجتمعه، وعلينا أن نتذكر على الدوام أن القوة ليست في الملعب فقط، بل تبدأ من خارجه، في حجم الإيمان بالنادي نفسه، والقدرة على مواجهة واقعه لمساعدته على العودة المطلوبة، وفي العقلية التي تفرق بين ما نتمناه وما نحتاجه فعلياً حتى نحقق تلك الأمنيات.

•الصبر مفتاح النصر، وما التوفيق إلاَّ من عند الله.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى