ناصر بابكر.. حصاد الطلبات المستجابة

خارطة الطريق
ناصر بابكر
حصاد الطلبات المستجابة
“1”
في العام 2017، وفي واحدة من سلسلة المقالات بشأن نهج المريخ في ملف التدريب، أشرت لأن عبارة (نحن عاوزين الإستقرار وبنصبر لكن ما مع المدرب ده) هي أكثر عبارة تتكرر سنويا مرات ومرات، في عالم المريخ، ومن درجة تكرارها، يمكن أن تكون أشهر (كذبة مريحة) يبرر عبرها هواة تعليق كل العثرات على شماعة المدربين، نهجهم وممارستهم المتكررة.
“2”
لماذا وصفت تلك العبارة (نصبر لكن مع مدرب تاني) بأنها (كذبة مريحة)؟ ليس فقط لتكرارها في كل مرة مع مدرب مختلف، ولكن أيضاً لأن المريخ حطم كل الأرقام القياسية في تبديل المدربين.. إذّ أنّ عدد الأجهزة الفنية الأجنبية والوطنية التي تعاقبت على تدريب المريخ خلال آخر 20 عاما، وصل إلى (48) جهاز فني، منها (32 جهاز فني أجنبي بعضهم عمل في أكثر من فترة) و (16 جهاز فني وطني بعضهم عمل أكثر من فترة).
“3”
الرصد أعلاه؛ يعني أن المريخ يبدل الأجهزة الفنية بمعدل (2.4) جهاز فني كل عام خلال آخر 20 عاما.. لكن تلك ليست المصيبة الوحيدة، لكن المصيبة الأكبر كما ذكرت في مقالات قبل عشر سنوات، أن إدعاء المعرفة بالأمور الفنية، وتقييم المدربين بالقطعة، والتعايش مع فكرة التقليل من شأن الأجهزة الفنية، و(فنكشتهم)، والمطالبة بإقالتهم، بات ثقافة وممارسة راسخة لها عشاقها ومدمنوها، أما المصيبة الأعظم، فهي رضوخ مجالس الإدارات المتعاقبة لتلك الأصوات، بل تبني بعض الإداريين وأكثرهم لا يعرفون عن كرة القدم أكثر من كونها (جلد مدور)، لتلك الممارسات ودعمها، والنتيجة أن الأمور في هذا الجانب، ظلت تمضي نحو الأسوأ عام تلو الآخر، ولو أردت أن تعرف كيف، فما عليك غير أن تتأمل الأرقام، إذّ تعاقب على المريخ (17 مدرب ما بين أجنبي ووطني) في الفترة من (2006_2016)، لكن الأرقام تضاعفت في الأعوام العشرة التالية (2016_2026) إلى (31 مدرب) والأمر بطبيعة الحال يرتبط بالصراعات الإدارية وعدم الاستقرار الإداري، لكن المؤكد أن الممارسة السالبة للغاية بشأن المدربين زادت بصورة غير معقولة ولا مقبولة، وباتت بمثابة أزمة حقيقية تحتاج إلى علاج.
“4”
حينما كانت هنالك ثورة غضب ضد كروجر ثم رادان في 2009، كان المريخ في مجموعات دوري أبطال أفريقيا للمرة الأولى، ووقتها كانت المجموعات في الدور (ربع النهائي)، ما يعني أن المريخ كان ضمن أفضل ثمانية أندية، وحينما طالب الناس برأس غارزيتو في 2015، كان المريخ في نصف النهائي ضمن أفضل أربعة أندية، وحينما انطلقت الثورة الثانية ضد الفرنسي نفسه، كان المريخ وقتها ضمن أفضل (16) وكان قريبا من أن يكون ضمن أفضل ثمانية أندية، وحينما هاجم الناس النابي ثم كلارك ثم ريكاردو، كان المريخ في دور المجموعات الـ(16) لكنه كان يحتل ذيلية المجموعة في تلك المشاركات.
“5”
لأننا لم نتعلم، بل أدمنا الممارسات الخاطئة، تراجع المريخ في عشر سنوات من كونه بين أفضل أربعة أندية في 2015، لكونه ضمن أفضل ستة عشر ناديا في 2017، لكونه لاحقاً الأسوأ بين أفضل ستة عشر ناديا في 2021، 2022، 2022، ثم تراجع ليصبح بين أندية الـ(32)، وواصل التراجع، حتى صل حالياً للترتيب بعد الـ(50) في تصنيف “كاف” بحسب النقاط التراكمية، وهو واقع مؤسف لأننا دوماً نفرط في الموجود بحثا عن المفقود، ونتعامل مع أمور فريق كرة القدم بالأحلام وبتفكير رغائبي بعيد كل البعد عن الواقع، وبعيد عن تقييم ما يدور حولنا، ونظن أننا أفضل بكثير من الآخرين دون أن ندرك أن الكل يتقدم وأننا محلك سر.
“6”
في تصنيف (كاف) الحالي 2025، تواجدت خمسة أندية مصرية قبل المريخ (الأهلي وبيراميدز والزمالك والمصري وفيوتشر)، وأربعة أندية مغربية (نهضة بركان، الوداد، الرجاء والجيش الملكي)، وأربعة أندية تونسية (الترجي، النجم الساحلي، الصفاقسي والمنستيري)، وأربعة أندية جنوب أفريقية (صن داونز وأورلاندو وستيلنبوش ومارومو غالانتس) وخمسة أندية جزائرية (إتحاد العاصمة، شباب بلوزداد، شبيبة القبائل، قسنطينة، ووفاق سطيف)، بالإضافة إلى أربعة أندية تنزانية (سيمبا والشباب وعزام وسينغيدا)، وأربعة أندية أنغول (بترو اتليتكو وساغرادا ولواندا سول وبرافوس) ، وريفرز وانييمبا النيجيرين، ومازيمبي وفيتا وسانت لوبوبو من الكونغو، وأسيك واستاد ابيدجان العاجيين، والملعب وجولييا الماليين، وباور ديناموز الزامبي، ودريمز الغاني، وحوريا الغيني، وجوانينغ غالاكسي البتسواني، ونواذيبو الموريتاني، وأبو سليم الليبي، وجاراف السنغالي، والقطن الكاميروني.
“7”
لأننا لا نتابع الآخرين، ولا نعرف أين نحن الآن، وما هو موقعنا مقارنة بالبقية، وذاكرتنا لا تعرف غير الأسماء الرنانة، ونظن أننا الأفضل وينبغي أن نظل الأفضل حتى لو كان عملنا وممارستنا هي الأسوأ في العالم، لذا، يمكن أن يتفاجأ كثيرين بعدد كبير من الأندية التي لا نعلم عنها شيئا، قد تجاوزت المريخ وحلت قبله في التصنيف، فمن هم مدربوا تلك الأندية التي سبقت المريخ؟ ولو تعاقد النادي مع مدربا تشير سيرته الذاتية إنه درب دريمز الغاني وأبوسليم الليبي وريفرز النيجيري وبرافوس الانغولي كمثال، فكم صوتا سيعارضه من لحظة الإعلان بحجة أنه (أقل من قامة المريخ)؟ وما هي مواصفات قامة المريخ؟ وهل تقدمت تلك الأندية لأن قدرات مدربيها أعلى من قدرات مدربي المريخ؟ أم أن متطلبات النجاح في كرة القدم أكبر بكثير من النظرة القاصرة التي ننظر بها؟ وهل تقدمت تلك الأندية بسبب أن “اسم المدرب كبير ورنان”؟ أم لأنها وفرت له الوقت والأدوات والبيئة المناسبة والدعم الذي يحتاجه؟.
“8”
“عاوزين مدرب إسم كبير”، مطلب يعكس بحثنا المستمر عن (المظهر) ونحن نحارب (جوهر) العملية التدريبية التي ترتبط بالوقت والصبر والأدوات والتعاون مع الأجهزة الفنية وقبلها جودة التخطيط والنهج الإداري.
“9”
العلة في تقديري ليست في من يطلب، ولكن في من يستجيب للضغط وينفذ، والنتيجة إدمان الممارسة من المستمعين طالما أن الإجابة دوماً حاضرة، والضحية هي المريخ.
“10”
من أفضل أربعة أندية قبل “11 عاماً” لما بعد الـ”50″ حالياً.. ذاك حصاد الطلبات المستجابة في المريخ.

