محمود الدرديري.. بين الوهم والحقيقة

حائط صد
محمود الدرديري
بين الوهم والحقيقة… حين يتكلم التاريخ ويصمت الضجيج
قلناها مرارًا، ونعيدها اليوم دون مواربة.الأحاديث التبشيرية التي ظل يرددها أهل الهلال عن أن التتويج بالأميرة السمراء مسألة وقت. ليست سوى أوهام مُغلّفة بحماس زائف، تُباع لجماهير أنهكها الانتظار، بينما الواقع الذي لا يجامل يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
الواقع يؤكد بوضوح أن الفجوة بين هلال أم درمان وأندية البطولات الحقيقية ليست مجرد مباراة تُخسر أو تُكسب.بل هي مسافة عقلية، فنية، وتاريخية، تحتاج إلى ما هو أبعد من الأمنيات والضجيج الإعلامي. فالبطولات لا تُنال بالصوت العالي، ولا تُمنح لمن يكثر الحديث عنها، بل تُنتزع انتزاعًا داخل المستطيل الأخضر.
نعم، قد يخدمك الحظ أحيانًا، وقد تتسلل عبر بعض المراحل فتتوهم أن الطريق أصبح مفروشًا بالورود، وأن الحلم بات في متناول اليد.لكن سرعان ما تأتي لحظة الحقيقة، لحظة السقوط، التي تعيدك إلى حجمك الطبيعي، لتكتشف أنك ما زلت تحمل نفس “الصفر الدولي” الذي تحاول الهروب منه كل موسم دون جدوى.
ولو أن أهل الهلال تعاملوا مع الأمور بواقعية، لكانت مباراة القمة كافية لتضعهم أمام المرآة. حين واجهوا الزعيم، لم يكن الانتصار مجرد نتيجة.بل كان درسًا واضحًا في الفارق بين فريق يعرف كيف يتغلب علي مشاكله الادارية و تجديد جلده تماما و رغم ذلك يعرف كيف يفوز، وآخر يبحث عن مبررات للهزيمة.
ثنائية كانت قابلة للزيادة، لكنها كانت كافية لتقول كل شيء ومع ذلك، اختاروا الهروب إلى نفس الرواية القديمة: “صدفة… وسنعود.”
هذا الإصرار على إنكار الحقيقة هو أصل المشكلة. فبدلًا من الاعتراف بالفجوة والعمل على ردمها، يواصلون التقليل من خصومهم، والتشبث بوهم التفوق، حتى تأتي المواجهات الخارجية لتُسقط القناع مرة أخرى.
مواجهة نهضة بركان كانت نموذجًا صارخًا لذلك. فريق لا يُعد من عمالقة القارة، بل إن مستواه في المباراتين لم يكن مرعبًا بأي حال ومع ذلك، بدا الهلال عاجزًا عن مجاراته. بل إن المتابع قد يجزم أن جماهير نهضة بركان نفسها لا تصدق حتي أنها تأهلت، ليس لقوة البطولة فقط، بل لأن خصمها كان أقل مما صُوّر لها.
هنا تتجلى الحقيقة المؤلمة بان الهلال لم يعد فقط يعاني في البطولات الخارجية.بل أصبح جزءًا من حكايات نجاح الآخرين. فريق يمنح المنافسين ما يحتاجونه للعبور، ويقدّم لهم “الهدايا” في لحظات الحسم.
كما فعلها سابقًا مع سينغيدا التنزاني، حين منحه لقب سيكافا رغم كل الإمكانيات المسخرة وقتها.يعيد المشهد اليوم بصورة مختلفة، ويُهدي نهضة بركان بطاقة العبور، في لقطة تختصر معنى “حب الخير للآخرين” داخل المستطيل الأخضر!
ورغم هذا كله، لا يتجه الحديث نحو مراجعة الأخطاء أو تفكيك أسباب الفشل.بل كالعادة، يتم الهروب للأمام. تبدأ محاولات التقليل من النادي الوحيد الذي شرف السودان قاريًا، وكأن التاريخ يمكن إعادة كتابته بالتصريحات.
المريخ، رغم ما عاناه من أزمات إدارية وصراعات داخلية لسنوات، ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة القارة. فريق دفع ثمن مشاكله، نعم. لكنه لم يفقد هويته، ولم يتخلَّ عن جيناته. جينات تعرف طريق العودة، حتى من قلب الأزمات.
فحين يُذكر المجد الإفريقي، يُذكر المريخ. وحين تُسرد إنجازات الكرة السودانية خارج الحدود، يكون الزعيم حاضرًا دون استئذان. هذه ليست مجاملة… بل حقيقة راسخة لا تحتاج إلى إثبات.
وهنا يُطرح السؤال الذي يتجنب اهل العرضة شمال الإجابة عنه أين موقع الهلال من هذا التاريخ؟ وأي صفحة يمكن أن يُشار إليها كإنجاز حقيقي يُقارن بما حققه المريخ؟
الحقيقة أن ما مرّ به المريخ من أزمات كان كفيلًا بإسقاط أي نادٍ آخر من الذاكرة… لكن الفارق أن هناك أندية تُبنى على الظروف، وأخرى تُبنى على التاريخ.
المريخ من النوع الثاني.كلما اشتدت عليه المحن عاد أقوى.وكلما ظن البعض أنه انتهى أثبت أنه مجرد فصل جديد في قصة لا تنتهي.
أما على الضفة الأخرى… فما زال الحلم يُباع، والصفر يُعاد تدويره، والضجيج يُستخدم كستار لإخفاء حقيقة واحدة و هي ان البطولات لا تُمنح لمن يتحدث عنها…
بل لمن يعرف كيف يصل إليها.
نصيحتنا لأهل الهلال أن يتمسكوا بفضيلة الصبر.لا على البطولات، بل على علاقتهم التاريخية مع “الصفر الدولي”. فمن صبر أكثر من تسعين عامًا، لن تعجزه خمسة أو عشرة أعوام إضافية. المسألة أصبحت مسألة “وفاء”، لا نتائج.
هذه العلاقة لم تعد مجرد أرقام.بل تحولت إلى ارتباط وجداني عميق، أقوى من علاقة الرحم نفسها. انفصال الهلال عن الإخفاق الخارجي سيبدو كصدمة عاطفية لجماهير تعودت على نفس السيناريو، ونفس النهاية، ونفس العزاء السنوي.
حاولوا مرة أخرى.لا بأس. فالمحاولة أصبحت طقسًا سنويًا، والسقوط جزء من الهوية. وبعد “الخروج المعتاد”، لا تستسلموا… بل واصلوا المحاولات، فأنتم اليوم تمثلون مدرسة خاصة في الصبر على الابتلاء الكروي.
بل يمكن القول إن الهلال أصبح “أيقونة الصبر” في كرة القدم الإفريقية.نموذج يُدرّس: كيف تحلم كثيرًا… وتعود دائمًا إلى نفس النقطة و نفس الصفر.
كذلك لا نريد أن تختفي نغمة “أفريقيا يا هلال” لأنها ببساطة أصبحت جزءًا من تاريخ النادي ، تُردد كل موسم قبل أن تتحول إلى مرثية رياضية بعد الخروج.
اخر الكلام
افريقيا حلم و الصفر واقع.



