مقالات

ناصر بابكر.. البطر بالنعمة

خارطة الطريق

ناصر بابكر

البطر بالنعمة

 

“1”

 

. الأخطاء التي ارتكبت في المريخ خلال السنوات الماضية، لم تحدث في أصغر الأندية في أي مكان بالعالم، سواء العالم الأول أو الأخير، ولم تحدث في أندية موريتانيا، ولا رواندا، ولا حتى جيبوتي، والصومال، إذ يكاد المريخ يكون النادي الوحيد الذي استبدل أكثر من 20 مدربا في خمس أو ست سنوات، واستبدل أكثر من “120” لاعبا في ظرف أربع سنوات.

 

“2”

 

. في كرة القدم، لا ينبغي أن يبدأ مجلس إدارة جديد، أو جهاز فني جديد، عمله من الصفر، لأن اللعبة تقوم بالأساس على تراكم العمل الإداري والفني على مدى سنوات، وكل مجلس يرحل أو جهاز فني يرحل، ينبغي أن يجد من يخلفه، إرث إداري وفني، يواصل العمل على تطويره، والبناء عليه.. غير أن لجنة تسيير المريخ، ورثت حطام إداري، فيما ورث الطاقم الفني أشلاء فريق، وكان لزاما عليهما إزالة الكثير من الانقاض أولا، قبل الوصول لنقطة الصفر لبدء رحلة التطوير، بعد تهيئة البيئة الإدارية والفنية.

 

“3”

 

. في الموسم الماضي، كان المريخ يخسر بمعدل مباراة كل ثلاث مباريات، وبلغ عدد هزائمه في موريتانيا عشر هزائم في ظرف 30 مباراة، وكان استقبال شباكه لهدفين أو أكثر أمر معتاد، مع عشرات الفرص السهلة من حالات انفراد بالمرمى في كل مواجهة مهما كان المنافس، حتى أمام المنافسين منقوصي العدد كما فعل تفرغ زينة يوم أن هزم المريخ برباعية نظيفة وهو يلعب بعشرة لاعبين من الشوط الأول، مع الإشارة لأن المريخ كان يعجز عن السيطرة في أي مباراة، أو تناقل خمس تمريرات، مع تواضع بدني لدرجة لم يكن معها الفريق يكمل ربع ساعة بنفس واحد في جل مواجهاته.

 

“4”

 

. في بداية الموسم الحالي، وحتى آخر مباريات في الدورة الأولى من الدوري الرواندي، كانت هنالك تعليقات سواء في الصفحة الرسمية، أو قروبات المريخ، تسأل عن هوية اللاعبين في توليفة الفريق (ديل منو؟ وبقينا ما بنعرف لعيبة المريخ)، وهو واقع غير مستغرب من كم الإحلال والإبدال الذي تم في كشوفات النادي خلال آخر أربع أو خمس سنوات، وخصوصا العامين الماضيين، لأن المدربين واللاعبين كانوا يستبدلون قبل حتى أن يحفظوا أسماء بعضهم البعض، ناهيك من أن يخلقوا فريقا يستطيع المنافسة على أي بطولة.

 

“5”

. المريخ دخل الموسم الحالي وهو لا يملك هوية لعب محددة أو أسلوب معين، بسبب إدمان تغيير المدربين كل بضعة أشهر، ودخل الموسم وهو لا يملك توليفة معروفة، أو هيكل فريق، لأنه ظل يغير في كشوفات لاعبيه بمعدلات قياسية، وكانت النتيجة أن إنهار الفريق بدنيا وفنيا وتكتيكيا وذهنيا، وباتت شخصيته ضعيفة، وهزيمته أقرب من حبل الوريد، بغض النظر عن قدرات المنافسين، حتى بات إكمال خمس أو ست مباريات بدون هزيمة أشبه بالحلم.

 

“6”

. لو طلب من أي شخص له أدنى علاقة بكرة القدم، وضع أهداف لموسم المريخ الحالي قبل أن يبدأ، أو حتى وضع أحلام، فلن تتجاوز عمل هوية لعب للفريق، وتثبيت توليفة، والبدء في إعادة بناء شخصية الفريق، ووضع أساس لفريق يستطيع مستقبلا العودة للمنافسة على البطولات المحلية، ثم الإقليمية، ومن بعدها التقدم على الصعيد القاري.

 

“7”

. اليوم، وبعد ستة أشهر من بدء العمل الفني، بات للمريخ هوية لعب واضحة، وفريق يلعب كمنظومة واحدة متماسكة، بكتلة متقاربة، وانضباط دفاعي يبدأ من الهجوم، مع قدر كبير من الإلتزام، وهي هوية يتم تطويرها تدريجيا، بدليل أن المريخ بدأ في الجولات السبع أو الثمان الماضية، في الصعود أكثر بالكتلة الدفاعية لمناطق متقدمة، واللعب بمصيدة التسلل، والتحول من الكتلة المتأخرة للمتوسطة، والتنويع في مناطق الضغط بين وسط الملعب والضغط العالي في مناطق المنافس.. كما أن المريخ بات يعتمد على توليفة “شبه ثابتة” مع تغييرات محدودة، وهو أكثر ما كان يحتاجه المريخ، وبشدة، لأن التوليفة ليست مجرد “11” إسم، وإنما معدل انسجام وتجانس يزيد ويكبر بالمباريات والمواسم، وأفكار يتم العمل عليها واختبارها وتطويرها بالمباريات والمواسم، ويتم التدرج فيها بالمباريات والمواسم، وبالتالي.. لو لعب المريخ كل مباريات الدوري الرواندي وعددها “34 مباراة” بـ”11 لاعبًا فقط”، فلن يكفي للوصول لقمة التناغم، وبلوغ العمل الفني والتكتيكي للقمة، بل أن هذا الموسم سيكون مجرد خطوة في طريق طويل، حتى يمتلك المريخ توليفة منسجمة متجانسة، تتطور في استيعاب الأفكار، تملك القدرة على التحمل، والتعامل مع مختلف أنواع المباريات سواء من الناحية البدنية أو الفنية أو التكتيكية، ومختلف المواقف التي تقوي شخصية الفريق وتدعم الجانب الذهني، سواء التي يتقدم فيها الفريق ويسعى للحفاظ على تقدمه، أو التي يتأخر فيها وينشد العودة، أو التي يعاني فيها للتسجيل، أو لحماية مرماه، بجانب التعامل مع مختلف الظروف، من ملاعب نجيل صناعي، أو طبيعي بأرضية سيئة، أو ضغط مباريات، أو سفر للولايات، أو لعب في ظل أمطار، أو رطوبة عالية، أو في ظل صيام، أو ضغط تحكيمي، أو غيرها من الظروف، التي ينبغي أن تُختبر فيها التشكيلة، لمعرفة النواقص والسلبيات من كل النواحي، ومن ثم العمل على معالجة تلك النواقص، وبتلك الطريقة يكون البناء، مرحلة مرحلة، “طوبة طوبة”.

 

“8”

. حينما يشارك المريخ أفريقيا الموسم المقبل، ولو أكمل الموسم الحالي كاملا بـ”11 لاعبًا لا غير”، فسيكون أقل تجانسًا من الأندية التي سيلتقيها، لأن عدد مباريات الدوري الرواندي “34 مباراة”، فيما سيلتقي المريخ بأندية تملك هيكل ثابت مكون من سبعة أو ثمانية لاعبين لعبوا سويا أكثر من “200 مباراة” وخاضوا معا مواسما عديدة لا تقل عن الثلاثة والأربعة، وتصل لأرقام أكبر في الكثير من الأندية.. وعلى المستوى الشخصي (أتمنى) أن يكون “عضم الفريق” بالمريخ من الوطنيين، لكنني مقتنع ومؤمن أن “الواقع” يجعل تلك “الأمنية” عصية على التحقق، على الأقل لعامين قادمين، لسبب بسيط وعلمي، تناولته من قبل، وهو توقف النشاط في السودان بعد الحرب، ومن ثم استئنافه العام الماضي بنشاط “صوري”، وبالتالي لم يلعب أي لاعب وطني خارج القمة أكثر من 20 مباراة منذ 15 إبريل 2023، وحتى اليوم، ولم يؤدي أي لاعب أكثر من 60 أو 70 حصة تدريبية (على الطريقة السودانية) التي تفتقد للتدريبات العلمية التي تهتم بالعمل البدني والتكوين الجسماني والبناء العضلي، مع الإشارة لأن اللاعب السوداني ولافتقاره التأسيس السليم، ظل على مدار عقود، يعتمد على كثرة اللعب والاستمرارية، ليتطور، وهي عوامل افتقدها اللاعب الوطني في السنوات الثلاث الأخيرة، وبالتالي بات بعيدا كل البعد عن استيفاء الحد الأدنى من المعايير البدنية، لأي نشاط أعلى من “الدوري السوداني الصوري” الذي تتشارك فيه الأندية، هذا الواقع، وبالتالي من الضروري أن نفرق بين “رغباتنا” وأحكامنا بشأن “ده لعاب وده معلم”، وبين الواقع الذي يشير لأن أي جهاز فني محترم، يستند أولا في عمله وقبل كل شيء، للقياسات البدنية، واختبارات اللياقة والقوة والتحمل، التي تحدد المشاركات، وتوقيتها، وعدد الدقائق لكل لاعب، وقدرة كل لاعب على الاستمرارية لفترة طويلة تمكن من الرهان عليه ليصبح لاعبًا أساسيًا، مع الإشارة لأن عشرات الشواهد من أجهزة فنية سابقة، تشير لأن المدربين يقسمون عملهم ما بين الآني للعناصر الجاهزة “بدنيا” حتى لو كانت بقدرات فنية أقل، وما بين المستقبلي الذي يقوم على تحضير لاعبين بدنيا بصورة صحيحة، ومساعدتهم على اكتساب اللياقة والتقدم في الجاهزية بصورة علمية، والعمل على زيادة قوتهم وتحملهم وبناءهم العضلي، وهو عمل يمتد لأشهر.

 

“9”

 

وبغض النظر عن الجوانب البدنية الموروثة بفعل الحرب، فإن كشف المريخ يضم أكثر من 40 لاعبا، ولو فتح الطاقم الفني الباب لتلبية رغبات (ما يطلبه المستمعون) بشأن إتاحة الفرص، فإنه لن يصل لتوليفة حتى نهاية الموسم، مع الإشارة لأنه لن يسلم أيضا من انتقادات ذات الأصوات التي تنتقد كل المدربين بلا استثناء، لكن ستتغير فقط النغمة لتصبح (المدرب ده كل كورة بتشكيلة، وما قادر يثبت تشكيلة وشغال يجرب وينظر)، وذات من ينادون بعدم الإعتماد على تشكيلة ثابتة، حال تم تغيير التوليفة وإتاحة الفرص في الجولات المتبقية، سيكونون أول من يهاجم الاختيارات، وينتقد تأثير التعديلات على المردود والنتائج، مع التنويه لأمر مهم، وهو أن بناء التوليفة على الوطنيين كما (نتمنى) لو حدث في ظل (الواقع) الحالي، فذلك يعني إستمرار عملية البناء والصبر على النتائج السيئة لعامين أو ثلاثة على الأقل، حتى يتجاوز اللاعبين الوطنيين آثار سنوات الحرب والحطام البدني، فهل يملك من لا يمتلكون فضيلة الصبر لعام وعامين، القدرة على الصبر لثلاثة وأربعة أعوام؟.

 

“10”

. الفريق الذي كان يخسر مباراة في كل ثلاث مباريات، لم يخسر حاليا لـ”19″ مباراة متتالية، ولم يخسر سوى مرتين في 22 مباراة، ويتقدم في الترتيب على أندية ظلت تتفوق عليه في الإستقرار الإداري لسنوات، ولم ترتكب ولو 10% مما ارتكبه من أخطاء في إدارة الملف الفني في آخر أربع سنوات، وينافس بعمل ستة أشهر، على الصدارة، فريقا يحظى بإستقرار واستمرارية منذ ست سنوات، وهي نقلة أعلى من سقف التوقعات وأعلى من السقف المنطقي في أول موسم للبناء، لكنها بطبيعة الحال ليست سقف الطموح، لكن علينا أن نتذكر أن الطموح ينبغي أن يتدرج خطوة خطوة، وأن (الطمع ودر ما جمع) وأن (البطر بالنعمة) يؤدي إلى زوالها وانهيار العمل الذي يتم، ومع التأمين على أن إسم المريخ كبير والطموحات أكبر، لكن الواقع والحقيقة المرة، أن العمل لسنوات في النادي كان أسوأ مما يمكن أن يحدث في أصغر الأندية، وأن الإصلاح بدأ قبل نصف عام فقط، وما زال هناك الكثير من العمل المطلوب، حتى يعود المريخ للمكانة التي تليق به.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى