مقالات

ناصر بابكر.. فشل السيستم

خارطة الطريق

ناصر بابكر

فشل السيستم

 

“1”

. “استقالة رسمية” “المسار الأكثر مسؤولية” “مصداقية الاتحاد” “ثقة الجمهور” “المساءلة” “الشفافية” “الحوكمة الرشيدة” “تسليم المسؤوليات لاستمرار عمل الاتحاد”.. تلك كلمات وردت في خطاب استقالة رئيس الاتحاد الرواندي لكرة القدم الموجه لأعضاء الجمعية العمومية مع نسخة للفيفا والكاف واتحاد سيكافا، فهل يعرف د. معتصم جعفر معنى تلك الكلمات؟ والمقصود بها؟ وهل فكر فيها يوماً؟ وهل يمكن أن يأتي اليوم الذي يفكر فيه بتلك الطريقة؟ وهل يعلم معنى المسؤولية؟ والأمانة؟ والمصلحة العامة؟ وهل كلمة “استقالة أو تنحي” موجودة في قاموسه وقاموس من معه ومن يأتي بهم من شاكلتهم في الاتحادات المحلية؟

 

“2”

 

. إجابات التساؤلات أعلاه معلومة للكافة، وشخصياً لم تكن تلك التفاصيل هي ما لفت نظري في خطاب تنحي رئيس الاتحاد الرواندي من أجل صورة الاتحاد، ومصداقيته، ومن أجل المصلحة العامة، كما أنني أعلم كما يعلم الجميع أن استقالة معتصم وأسامة وسيف والمبشر وغيرهم من سابع المستحيلات، لكن السؤال الذي خطر ببالي فور مطالعة خطاب “فابريس شيما” هو سؤال مختلف تماماً، وهو (أين الدولة؟).

 

“3”

 

. القيمة الحقيقية فيما فعله رئيس الاتحاد الرواندي، هي قيمة الدولة التي تضطلع بمسؤولياتها، فهي تدعم، وتخطط، وتضع الرؤى والاستراتيجيات، وتراقب التنفيذ، وتتدخل متى ما رأت خللاً، وتحقق، وتسائل، وتحاسب، من يثبت تجاوزه، ولا مجال للتهاون في حماية المصلحة العامة، في أي قطاع من القطاعات، لذا فإن من يقع في المحظور، يجد نفسه أمام خيار التنحي، قبل أن يتم تنحيته، طالما أن الدولة لا تجامل ولا تهادن في التجاوزات ولا تتسامح مع المخالفات، للحفاظ على مصداقية الدولة نفسها، وضمان عدم تأثر مسار التطوير المرسوم، بالفساد الإداري أو المالي أو الأخلاقي.

 

“4”

 

. حال تم البحث خلف أصل مشكلة رئيس الاتحاد الرواندي، يمكن أن يفاجأ الجميع بأنها لا تساوي شيئاً أمام ما يحدث في الاتحاد السوداني، لكن الفرق بين هنا وهناك، ليس فرق النزاهة الشخصية لمسؤولي كرة القدم، بقدر ما هو فرق “السيستم” بين دولة وأخرى، بين دولة جادة في التقدم، وأخرى تترنح على كافة المستويات، بين دولة لها مسار مرسوم يتطلع للمستقبل وتمضي نحوه برؤية واضحة ومحددة، وأخرى تعيش على الصراعات والمزاجية وقانون الغاب والقوي يأكل الضعيف والمصلحة العامة فيها كالغول والعنقاء والخل الوفي، بين دولة تحارب الفساد بكل السبل ولا تتسامح معه، وبين أخرى تدعم الفاسدين وتمكنهم، وتشجعهم بممارساتها على المزيد من الفساد.

 

“5”

 

. لذا، فإن طريق التغيير عبر الجمعية العمومية، هو طريق مسدود، لأن الجمعية نفسها هي أس الكوارث، وبالتالي فإن الهيكل كاملاً يحتاج إلى تغيير، والنظام يحتاج إلى تغيير بنظام أساسي يجعل مكونات الاتحاد التي تشارك في انتخاب مجلس إدارته، هي المكونات صاحبة المصلحة المباشرة، وصاحبة المصلحة ينبغي أن تكون صاحبة نشاط فعال ومؤثر، وطالما أن الاتحادات التي تدير (دافوري وعصريات) في كل منطقة بالسودان هي التي تتحكم في مصير الكرة السودانية، فلن يكون هناك تغيير حقيقي، ما لم يتم كنس تلك الاتحادات نفسها، وإزالتها بالكامل، عبر نظام جديد واتحادات ولائية، وفريق واحد لكل مدينة في الولاية، ليتم حصر الموارد البشرية والمادية، وقصر الممارسة المحترفة على اللاعب المؤهل لأن يكون لاعب كرة قدم محترف بحق، والإداري القادر على أن يكون إداري كرة قدم بحق، والمدرب المؤهل لأن يكون مدرب كرة قدم بحق، والحكم المؤهل، ومن ثم تسخير الموارد الشحيحة لتأهيل المنظومة وتطويرها بصورة جادة، بعيداً عن الاستهبال الحالي الذي تدعمه الدولة.

 

“6”

 

. الطريق متاح ومعبد لتغيير الاتحاد الحالي، ولا يحتاج سوى رغبة من الدولة في فعل ذلك، وفتح ملفات التجاوزات المالية والإدارية والأخلاقية والإهمال الجسيم وسوء الإدارة وتبديد المال العام وغيرها، وهناك العديد من قضايا التزوير المفتوح فيها بلاغات، وقضايا أخرى مثل الخيش كمثال، ولو أرادت الدولة الإطاحة بالاتحاد الحالي ومنعهم من العمل الرياضي مدى الحياة، دون أن تستطيع الفيفا ولا غيرها التدخل، فالمسألة سهلة ومتاحة، لكن هل تريد الدولة التصحيح؟ وهل تقوم الدولة نفسها بدورها؟ وإن كانت تفعل هل كان بإمكان الأوضاع أن تصل هذه الدرجة من السوء؟.. في الواقع فإن قصور الدولة في تقديري أكبر وأسوأ، وما يحدث في اتحاد الكرة لا يمثل سوى غيض من فيض سوء النظام الذي تدار عبره البلاد، وهو نظام حال تدخل وغير، فسيبدل الأشخاص، ويبقى السوء والفشل موجوداً ومتمدداً، لأن الرؤية نفسها غائبة لدى الممسكين بزمام الأمور.

 

“7”

 

. استقالة رئيس الاتحاد الرواندي.. إحراج للاتحاد السوداني وإدانة للدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى