تقارير وحوارات

داركو بعد 41 مباراة.. انتهى زمن “البناء والانسجام” فماذا تقول الأرقام؟

 

 

الماتش سبورت

الحديث عن داركو نوفيتش أصبح منقسماً بين مؤيد يرى أن الرجل يحتاج إلى مزيد من الوقت، ومعارض يرى أن المريخ لم يتطور فنياً بالشكل المنتظر. بعيداً عن المعسكرين، وفي “الملك24” دعونا نذهب إلى الأرقام التي عودناكم عليها، فمنذ البداية كان أحد أهدافنا نشر ثقافة الأرقام والإحصائيات في تقييم اللاعبين والمدربين وأداء الفريق، بعيداً عن الأحكام العاطفية والانطباعات المسبقة. فالعاطفة ظلت، ولوقت طويل، حاضرة بقوة في طريقة تقييمنا للرياضة في السودان، نرفع لاعباً أو مدرباً إلى أعلى المراتب بعد مباراة، ونهدم كل شيء بعد المباراة التالية. بينما الأرقام، عندما توضع في سياقها الصحيح، تساعدنا على رؤية الصورة بصورة أكثر هدوءاً وعدلاً.

 

◾️ البداية الأفريقية أمام سانت لوبوبو

 

بدأ داركو مشواره الأفريقي مع المريخ بمواجهتي سانت لوبوبو في النسخة الماضية من دوري الأبطال:

سانت لوبوبو 1 × 0 المريخ

المريخ 0 × 0 سانت لوبوبو

خرج المريخ بعدما استقبل هدفاً واحداً فقط خلال 180 دقيقة، لكنه في المقابل لم يسجل أي هدف. وقتها كان من المنطقي الحديث عن مدرب جديد، ولاعبين جدد، وحاجة الفريق إلى الوقت والانسجام.

 

◾️ 29 مباراة في الدوري الرواندي

 

قبل سفر الفريق الأول إلى السودان للمشاركة في دوري النخبة، خاض المريخ تحت قيادة داركو 29 مباراة في الدوري الرواندي:

 

• 16 فوزاً

• 10 تعادلات

• 3 هزائم

• 38 هدفاً سجلها الفريق

• 16 هدفاً استقبلها

• 15 مباراة بشباك نظيفة

• معدل التسجيل 1.31 هدف في المباراة

• معدل استقبال الأهداف 0.55 هدف في المباراة

 

الأرقام هنا تقول بوضوح إن داركو نجح في صناعة فريق منظم دفاعياً وصعب الهزيمة. الخسارة في 3 مباريات فقط والخروج بشباك نظيفة في أكثر من نصف المباريات عمل لا يمكن تجاهله.

لكن الوجه الآخر للأرقام يقول إن المريخ تعادل 10 مرات، وفي 19 مباراة من أصل 29 سجل هدفاً واحداً فقط أو لم يسجل إطلاقاً.

أي أن المشكلة لم تكن في قدرة الفريق على منع المنافس من التسجيل بقدر ما كانت في قدرته على حسم المباريات.

 

◾️ دوري النخبة.. انفجار هجومي ولكن!

 

انتقل المريخ بعد ذلك إلى السودان للمشاركة في دوري النخبة، في منافسة ضمت أندية عانت من توقف النشاط وعدم انتظامه بسبب الحرب، بينما جاء المريخ بعد موسم كامل تقريباً من اللعب التنافسي في رواندا.

المحصلة: 7 مباريات، 6 انتصارات وهزيمة، 21 هدفاً للمريخ و4 أهداف عليه.

الأرقام ممتازة، ولكن يجب قراءتها في سياقها. المريخ سجل 20 هدفاً في أول خمس مباريات، ثم فاز على هلال الساحل بهدف وحيد، وعندما واجه الهلال في الاختبار الأقوى خسر 0-1.

المريخ توج لاحقاً بالبطولة بعد كسب شكواه المتعلقة بعدد أجانب الهلال، وهو تتويج رسمي مستحق وفق القرار الإداري، لكن عند تقييم داركو فنياً يجب أن نفصل بين قرار الشكوى وما حدث داخل الملعب، حيث خسر المريخ المواجهة المباشرة.

 

 

◾️ باور ديناموز.. داركو في أفضل صورة لطريقته

 

في دوري الأبطال هذا الموسم:

المريخ 1 × 0 باور ديناموز

باور ديناموز 0 × 1 المريخ

 

انتصاران، تأهل، و180 دقيقة دون استقبال هدف.

وهنا يجب إعطاء داركو حقه كاملاً. إدارة مواجهتين إقصائيتين بهذه الطريقة والعودة من زامبيا بالتأهل عمل يحسب للمدرب.

لكن المثير أن المباراتين قدمتا تقريباً نفس صورة المريخ التي شاهدناها كثيراً مع داركو: تنظيم دفاعي، تقليل للمخاطر، قدرة على حماية النتيجة، مقابل إنتاج هجومي محدود.

 

◾️ ثم بدأ الموسم الجديد.. بنفس المشهد

 

في أول مباراة للمريخ بالدوري الرواندي هذا الموسم تعادل الفريق سلبياً أمام أماغاجو 0-0.

التعادل في مباراة واحدة ليس أزمة في حد ذاته، لكن أهميته تأتي من أنه يعيد نفس السؤال القديم: شباك نظيفة مرة أخرى، ولكن دون تسجيل.

 

◾️ ماذا تقول حصيلة 41 مباراة؟

 

• 41 مباراة تنافسية

• 24 فوزاً

• 12 تعادلاً

• 5 هزائم

• 61 هدفاً سجلها المريخ

• 21 هدفاً استقبلها

• 23 مباراة بشباك نظيفة

• نسبة الفوز 58.5%

• معدل التسجيل 1.49 هدف في المباراة

• معدل استقبال الأهداف 0.51 هدف في المباراة

• شباك نظيفة في حوالي 56% من المباريات

 

هذه ليست أرقام مدرب يمكن أن تقول عنه إنه لم يفعل شيئاً. على العكس، هناك عمل دفاعي واضح جداً، وهناك فريق أصبح من الصعب هزيمته.

لكن في المقابل، المريخ لم يفز في 17 مباراة من أصل 41، منها 12 تعادلاً، وهنا يصبح السؤال: هل نجح داركو في بناء الجانب الدفاعي أكثر بكثير مما نجح في بناء الجانب الهجومي؟

 

◾️ انتهى زمن “لسه ببني”

 

في بداية التجربة كان التبرير منطقياً: المدرب جديد ولم يتعرف على اللاعبين.

بعدها قيل إن اللاعبين يحتاجون إلى الانسجام.

ثم أصبح الحديث عن أن الفريق لا يزال في مرحلة البناء.

لكننا الآن أمام 41 مباراة تنافسية، بخلاف المعسكرات والوديات وفترات الإعداد.

بعد كل هذه الفترة، من حقنا أن نسأل: ما هي الهوية الهجومية لمريخ داركو؟ كيف يبني اللعب؟ كيف يكسر التكتلات؟ كيف يصنع الفرص عندما يمنحه المنافس الكرة؟ وما هي خطته عندما لا تكفيه الـ1-0؟

الحديث عن البناء والانسجام لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

 

◾️ هل المشكلة فقط في المهاجم؟

 

من التبريرات المطروحة حالياً أن ضعف المريخ هجومياً سببه عدم وجود المهاجم الهداف، وقد يكون ذلك جزءاً من المشكلة، لكن السؤال الأهم: هل المريخ يصنع فرصاً كافية ويهدرها المهاجمون، أم أنه أساساً لا يصنع بما يكفي؟

إذا كان الفريق يصنع العديد من الفرص الواضحة ويتم إهدارها، فالمشكلة في الإنهاء والمهاجم. أما إذا كان المهاجم معزولاً ولا تصله فرص كافية، فالمشكلة في المنظومة الهجومية أيضاً.

بعد 41 مباراة، لا يمكن اختصار المشكلة كلها في رأس الحربة، خصوصاً أن اختيار المهاجم وتحديد احتياجات الفريق والتدعيم المطلوب جزء من مسؤولية الجهاز الفني.

باختصار: قبل أن نقول “جيبوا لداركو مهاجم وبعدها حاسبو”، دعونا نسأل أولاً: كم فرصة يصنعها مريخ داركو للمهاجم أصلاً؟

فهناك فرق بين فريق يصنع ولا يسجل، وفريق لا يصنع بما يكفي ثم يلوم المهاجم لأنه لا يسجل.

 

◾️ مجتبى و”الأدوار التي لا يراها الجمهور”

 

من أكثر التبريرات تكراراً لاستمرار مجتبى فيصل أن اللاعب يقوم بأدوار تكتيكية قد لا يراها الجمهور.

هذا ممكن جداً في كرة القدم، ولكن السؤال: ما هي هذه الأدوار تحديداً؟ وما الذي يقدمه بصورة أفضل من الخيارات الأخرى؟

كرة القدم الحديثة أصبحت أرقاماً وفيديو وتحليلاً. الضغط، استرجاع الكرة، التغطية، التحركات بدون كرة، التمريرات التقدمية وصناعة الفرص كلها أمور يمكن تحليلها.

لذلك عبارة “يقوم بأدوار تكتيكية لا يراها الجمهور” لا ينبغي أن تتحول إلى إجابة جاهزة كلما سأل الناس عن سبب استمرار لاعب أو غياب آخر.

 

◾️ ساليما وكمارا وناثان.. أسئلة مشروعة

 

ساليما مثلاً صنع أمام بوغيسيرا في الفوز 3-0، ثم صنع في المباراة التالية أمام جيكومبي 3-0، وفي دوري النخبة سجل أمام أهلي مدني وصنع هدف الفوز أمام هلال الساحل.

إذا كان غيابه الحالي بسبب الإصابة فالأمر مفهوم، لكن مشاركاته المحدودة قبل الإصابة تجعل السؤال عن معايير الاختيار مشروعاً.

ونفس السؤال ينطبق على كمارا وغيره من اللاعبين الذين لا يحصلون على دقائق كثيرة.

أما ناثان دوالا، فيقال إن داركو لم يكن مقتنعاً به منذ الاختبارات وإن الإدارة سجلته رغم رأيه. إذا صحت الرواية فهذا خطأ تتحمل الإدارة مسؤوليته، لكن بحسب نفس الروايات لم يكن داركو مقتنعاً أيضاً بموريسون، ثم أصبح موريسون من خياراته الأساسية. أو دعونا نقول أن كل التسجيلات تمت بقرارات إدارية من رئيس القطاع الرياضي، فلماذا نرى منهم أساسيين في التشكيلة أو كبدلاء (موريسون، ميكا، تراوري)

إذن تغيير القناعة حول اللاعب ممكن، والسؤال الأهم ليس ناثان وحده: هل مشكلة صناعة اللعب في المريخ سببها عدم وجود اللاعب المناسب، أم أن طريقة اللعب نفسها لا تساعد على صناعة الفرص والاستفادة من العناصر الهجومية الموجودة؟

 

◾️ الصورة التي رسمتها 41 مباراة

 

بعد كل هذه المباريات يمكن وصف مريخ داركو بأنه فريق منظم، قوي دفاعياً، صعب الهزيمة، يقلل المخاطر ويجيد حماية النتيجة.

وهذه صفات مهمة جداً، خصوصاً في دوري أبطال أفريقيا، ويستحق داركو الإشادة عليها.

لكننا حتى الآن لا نرى بنفس الوضوح فريقاً هجومياً قادراً على فرض أسلوبه، وصناعة الفرص باستمرار، وكسر المنافس عندما يغلق المساحات.

ولذلك لا يجب أن يتحول النقاش إلى “داركو فاشل” مقابل “داركو خط أحمر”.

السؤال الأكثر عدلاً هو: بعد 41 مباراة تنافسية، هل وصل المريخ إلى المستوى الذي يفترض أن يصل إليه بعد كل هذا الوقت والإمكانيات المتاحة؟ وهل استخرج داركو أقصى ما يمكن من المجموعة الموجودة تحت يده؟

 

◾️ حوريا.. الاختبار ليس التأهل فقط

 

مواجهتا حوريا كوناكري ستكونان اختباراً مهماً جداً، لكن تقييم داركو لا يجب أن يقوم فقط على سؤال: تأهل أم خرج؟

نريد أن نرى أيضاً كيف يلعب المريخ، كيف يصنع الفرص، كيف يتصرف عندما يحتاج إلى هدف، كيف يستخدم دكة البدلاء، كيف يدير المباراة، وهل أصبح الفريق يمتلك أكثر من طريقة للفوز.

داركو نجح حتى الآن في بناء فريق يصعب هزيمته، وهذه حقيقة تدعمها الأرقام.

لكن بعد 41 مباراة، من حق جمهور المريخ أن يطرح سؤالاً آخر:

متى يصبح المريخ، إلى جانب صعوبة هزيمته، فريقاً يصعب أيضاً إيقافه؟

 

الأرقام لا تقول إن داركو فشل.. لكنها بالتأكيد تقول إن النقاش حول تطور الفريق مشروع، وإن زمن تبرير كل شيء بالبناء والانسجام قد انتهى.

#الملك24

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى